قصتي مع الـ CIA

كتبهاجلال عثمان ، في 2 يونيو 2009 الساعة: 15:16 م

لم أتوقع يوماً أن أدخل دهاليز السي أي أيه، كان الأمر في بالغ الحزن، وأحسست بمرارة تمزق صدري، ولكنها الحاجة ولا شيء غير الحاجة، نفذ ما لدي من نقود، وصرت مهدد بالنوم في الشارع مع المشردين و(الهوملس) والقطط السائبة، آخر ملاذ كان اتحاد الطلبة الليبيين في لندن، وبعد تدخل عدد من الأصدقاء لضمي لقائمة الدارسين، على حساب المجتمع طلب أمين الإتحاد أن أكتب مقالاً أمتدح فيه الثورة، خلت نفسي للحظة أحد المتاجرين بالكلمة الذي عرفتهم ليبيا على مدى سنوات، وبعد أن امتلأت حساباتهم، كانوا أول المنقلبين، آخر محاولة كانت تجاه مكتب الطلبة في لندن، والذي تحول إلى أشبه بمبكى، الكل يشتكي من البيروقراطية والمزاجية وضياع الحقوق، أشار أحد العالمين بخفايا المكاتب أن سيادة السفير يعقد اجتماعاً لبعض الليبيين المضامين في حقوقهم جاءوا لاجئين من هول ما عانوه، وقالوا أن لهم في المكتب الشعبي سفير لا يظلم عنده أحد، دلفنا جماعة بناءً على طلب السفير، وصار كفقيه يعالج المرضى جماعة، يرقي هذا ويمسح على ناصية آخر، ولا شيء في النهاية غير الدعوة بالهداية والصلاح، والعلاج من عند اللجنة الشعبية العامة للمالية، خرجنا جماعة كما دخلنا جماعة تباركنا دعوات السيد السفير، الذي عقد حاجبيه تحت جبين مسحت السنوات لجينه، قذفتنا السفارة الليبية، وابتلعتنا شوارع لندن على رأي الشاعر محمد الأقطع (الواحد دماغه كيف جيبه فاضي)، قررنا قطع الدراسة والعودة لأرض الوطن وتمنينا التوفيق لزملائنا الدارسين على حساب المجتمع، فأغلبنا لا يملك حتى تذكرة العودة، إلى أن التقيت بشخص من الشقيقة مصر، وعرض علي العمل مع الـ CIA ، صعقت المفاجأة معالم وجهي، وتذكرت جدي الذي قال يوماً وهو يقاوم الطليان (أنا وسابقي والسرز ما يتواطى ++ حتى انشوفه في بحر فرجاطا) أي أنه مع حصانه ولن ينزع من عليه السرج، حتى يرى العدو وقد انسحب حتى جزر فرجينيا، كيف سيكون موقف صديقي الدكتور عبد الله مليطان، وأعز أصدقاءه أصبح عميلاً للسي أي إيه، هل ليبيا بحاجة للمزيد من العملاء؟ كلها أسئلة أخذت تتناسل تحت جمجمتي، بادرني الصديق المصري مبتساماً: - الشغل ح يكون في منتهي السرية - سرية شن يا عم، أشرف لي أن أغسل الصحون، من أن أعمل العمل المهبب متاعك. ضحك مثنى وثلاث وأضاف - يا عم ما أنت ح تغسل صحون، أمال ح تشتغل وزير داخلية، السي اي أي دي ما فيش حد في كاردف ما بيعرفهاش، دي يعني Cardiff International Arena وبالترجمة الحرفية حلبة كاردف الدولية، وهي عبارة عن مركز مؤتمرات ومطاعم مناسبات في شكل دائري يشبه الحلبة، وبيشتغل فيه عدد كبير من الطلبة، عشان يحسنوا وضعهم. - لا .. أشتغل مخابرات أحسن!! ضحكنا سوياً لبرهة .. وقاومت لاحقاً كبرياء الليبيين، وعملت لأسبوع بواقع 8 ساعات يومياً ليس فيها ثانية توقف واحدة إلا للصلاة، أسبوع كان كفيل بانتزاع تذكرة العودة. لاحقاً وبعد العودة لأرض الوطن انخرطت في العديد من المناشط، والبرامج الإعلامية وتوالت المهام والتي رفضت أغلبها بسبب ضيق ذات الوقت، وكان ولا بد من مشجع وداعم، ومن محبط ومتربص، وشهدت المواقع الليبية حينها ما عرف بأكبر حملة تشويه ضد شخصية ليبية، وأقلها وصفي بأخطر عميل استخبارات زرع للتجسس على الكتاب والصحفيين الليبيين، تساءلت حينها أي قنابل عنقودية يخفيها الكتاب في أقلامهم، لكي تحتاج لهذا التربص، وجندت بعض المواقع ومنها مواقع تبث من الداخل للأسف الشديد، مثل موقع www123.ly.com كل طاقاتها لتتحدث عن دورات مشبوهة تلقيتها في المملكة المتحدة، فعادت بي الذاكرة لفترة عملي بالسي أي أيه، وكيف أن لا شيء يخفى على الليبيين. قال قائل حول الانترنت أنه يستطيع أن يخبرك بأي شيء ولكن لن يستطيع أن يقول لك إن كان ذلك الشيء حقيقة أم لا، وهو رهان صعب يواجه أنصار الشبكة العنكبوتية، فالمعارف مازالت في الكتب، ومازال الكتاب هو صمام الآمان الوحيد للمعلومات، رغم انتشار المعلوماتية والتي هدد أنصارها بفناء الكتاب مراراً ولكنه يزداد حضوراً كل يوم، لهذا السبب يسعى مجتمع الانترنت لسن قوانين جديدة تحد من الانفلات الحاصل الآن واللامسئولية والاستهتار بقيم الحرية وحدود التعبير، وقد ظن البعض في فترة سابقة أن الانترنت مجتمع اللاقانون، خصوصاً في ليبيا وفي العالم العربي عامة، ولكن صار بإمكان أي متضرر اللجوء للقضاء وتوجيه الاتهام لمزود الخدمة، أي مستضيف الموقع الذي يحمل السب أو التشهير، فعادة ما ترفض المواقع سحب المقالات أو المعلومات المغلوطة الممهورة في الغالب بأسماء مستعارة أو شخصيات وهمية، ولكن مزود الخدمة في التعريفات الجديدة هو أشبه بالمطبعة بعد أن ظن الجميع أن الشبكة ألغت العديد من الحلقات في سلسلة الصحافة الالكترونية ومنها المطبعة، وأتوقع وبسبب الفهم الخاطئ لمفهوم حرية التعبير في الشبكة أن يضطر القائمون عليها للعودة لسن قيود بدائية، أو قوانين قد تجاوزتها الصحافة الورقية، ولا نستبعد تسونامي الكتروني بحجم تسونامي الاقتصاد العالمي، الذي غير كافة المفاهيم الاقتصادية وأعاد العالم للتفكير في مبدأ ظهر من أكثر من 14 قرن وهو الاقتصاد الإسلامي. ختاماً أنا لست ضد أي مهنة، ولكن مهنتي هي الصحافة رغم تقاطع الصحافة مع مهنة المخابرات، فالأول يجمع المعلومات لنشرها، والثاني يجمعها بغية عدم النشر، وأعترف أنني عملت في السي إيه ولكن لا علاقة لهذه المؤسسة بأي جهة استخِباراتية، لذا علينا أن نتعلم طريقة أخرى للتعبير بعيداً عن أسلوب التخفي وراء شاشات الحواسيب، فالقوانين قادمة عاجلاً أم آجلا وعلينا أن ندرب أنفسنا منذ الآن على حوار هادف ومتأني ورصين. نشر في مجلة واعتصموا

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر